رفيق العجم
230
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
الأذهان هو الوجود العلميّ الصوريّ ، والوجود في اللسان هو الوجود اللفظيّ الدليليّ . فإنّ السماء ، مثلا ، لها وجود في عينها ونفسها ، ثمّ لها وجود في أذهاننا ونفوسنا ، لأنّ صورة السماء تنطبع في أبصارنا ثمّ في خيالنا ، حتّى لو عدمت السماء ، مثلا ، وبقينا ، لكانت صورة السماء حاضرة في خيالنا . وهذه الصورة هي التي يعبّر عنها بالعلم ، وهو مثال المعلوم ، فإنّه محاك للمعلوم ومواز له ، وهي كالصورة المنطبعة في المرآة ، فإنها محاكية للصورة الخارجة المقابلة لها . وأمّا الموجود في اللسان ، فهو اللفظ المركّب من أصوات قطّعت ثلاث تقطيعات ، يعبّر عن المقطعة الأولى بالسين وعن الثانية بالميم وعن الثالثة بالألف ، وهي كقولنا : سماء . فالقول دليل على ما في الذهن ، وما في الذهن صورة لما في الوجود مطابقة له . ولو لم يكن وجود في الأعيان لم تنطبع صورة في الأذهان ، ولو لم تنطبع في صورة الأذهان ولم يشعر به الإنسان ، لم يعبّر عنه باللسان . فإذا ، اللفظ والعلم والمعلوم ثلاثة أمور متباينة ، لكنّها متطابقة متوازية ، وربّما تلتبس على البليد ، ولم يتميّز البعض منها عن البعض . وكيف لا تكون هذه الموجودات متمايزة ، ويلحق كلّ واحد منها خواصّ لا تلحق الأخرى . فإنّ الإنسان ، مثلا ، من حيث أنّه موجود في الأعيان ، يلحقه أنّه نائم ويقظان ، وحيّ وميت ، وقائم وماش وقاعد ، وغير ذلك . ومن حيث أنّه موجود في الأذهان ، يلحقه أنّه مبتدأ وخبر ، وعام وخاص ، وكلّي وجزئي ، وقضيّة ، وغير ذلك . ومن حيث أنّه موجود في اللسان ، يلحقه أنّه عربي وعجمي وتركي ، وكثير الحروف وقليلها ، وأنّه اسم وفعل وحرف ، وغير ذلك . وهذا الوجود ممّا يجوز أن يختلف بالأعصار ويتفاوت في عادة الأمصار . فأمّا الوجود الذي في الأعيان والأذهان لا يختلف بالأعصار والأمم البتّة . ( مص ، 18 ، 8 ) - ما حدّ الاسم ؟ قلنا : إنّه اللفظ الموضوع للدلالة ، وربّما نضيف إلى ذلك ما يميّزه عن الحرف والفعل . وليس تحرير الحدّ من غرضنا الآن ، إنّما الغرض أنّ المراد بالاسم المعنى الذي هو في الرتبة الثالثة ، وهو الذي في اللسان دون الذي في الأعيان والأذهان . وإذا عرفت أنّ الاسم إنّما يعنى به اللفظ الموضوع للدلالة ، فاعلم أنّ كلّ موضوع للدلالة فله واضع ووضع وموضوع له . يقال للموضوع له مسمّى ، وهو المدلول عليه من حيث أنّه مدلول عليه . ويقال للواضع المسمّي ، ويقال للوضع التسمية . يقال سمّى فلان ولده إذا وضع لفظا يدلّ عليه ، ويسمّى وضعه تسمية . وقد يطلق لفظ التسمية على ذكر الاسم الموضوع ، كالذي ينادي شخصا ويقول : يا زيد ! ، فيقال سمّاه . فإن قال : يا أبا بكر ! يقال كنّاه . وكان لفظ التسمية مشتركا بين وضع الاسم وبين ذكر الاسم ، وإن كان الأشبه أنّه أحقّ بالوضع منه بالذكر . ويجري الاسم والتسمية والمسمّى مجرى الحركة والتحريك